أسعد السحمراني
26
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
وبه تحقّق كرامة الإنسان لأنه يكون مستعدّا للتضحية مهما غلا الثمن ، وهؤلاء جاء فيهم قول اللّه تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ « 1 » . هذا الصنف من البشر يضع عنوانا لحياته : التضحية . ومنهاجه الأخلاقي : « كلّ شيء للجماعة ولو كان ذلك على حسابي » . إن الإيثار أو الأثرة موقعان يضع المرء نفسه في أحدهما بإرادته واختياره ، من هنا يمكن القول : إن نوازع الشرّ هي الدافع للأنانيّة ، وإن الإرادة الخيّرة هي الأساس الهام للحياة القائمة على قواعد خلقية سليمة . ولكن يكون من غير الصحيح ، ولا المجدي ، أن نفترض الإرادة والنيّة كافيتين لكي تكون أعمال الإنسان متسمة بسمة الخلق والفضيلة ، فلا بدّ من أن تقترن النيّة الطيّبة بالتربية والصقل ، وبالإعداد اللازم لتتوفّر عند الإنسان الإمكانات التي تؤهّله لنقل ما ينويه إلى حيّز التطبيق . وفوق ذلك ، يجب أن لا ننسى أهمية المعرفة ، لأن التضحية والإقدام على العطاء لا يؤديان غرضهما إذا اقترنا بالجهل ، فالمعرفة تولّد حالة الحيطة والفطنة ، وتعطي للإنسان سمة حسن التبصّر قبل الاختيار ، ويكون على بيّنة من الأمر فيأتي اختياره سليما . فالإرادة أساسها الاختيار ، وسلامة الاختيار تستند إلى المعرفة . لذلك وفي ميدان الأخلاق بالذات « لا يكفي أن يكون الإنسان ذا إرادة طيّبة لكي يكون عمله أخلاقيا . وأنه حتى مع وجود خير إرادة في الدنيا ، وأصدق مجهود لتحرّي الصواب ، وأقوى عزيمة ، قد يكون من الممكن أن يخطئ الإنسان خطأ فاحشا في نظره إلى الخير والشرّ ، والعدل والظلم . وليس يكفي أن يريد الإنسان من أعماق نفسه ، عمل ما يجب عمله ، بل إنّه من الضروري أن يعرف ذلك ، وأن تلك المعرفة لأصعب هذه الأمور غالبا » « 2 » . المعرفة أمر هام من أجل سلامة القرار والاختيار ، والجهل ظلمات ،
--> ( 1 ) سورة الحشر ، آية 9 . ( 2 ) كرسون ، أندريه ، م . س ، ص 25 .